ابن الجوزي
28
صفة الصفوة
عبد العزيز بن عمير قال : قامت مريم البصرية المتعبدة من أول الليل فقالت : اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [ سورة الشورى آية 19 ] . ثم لم تجرّه حتى أصبحت . وقالت مريم : ما اهتممت بالرزق ولا تعبت في طلبه منذ سمعت اللّه عزّ وجل يقول وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ [ سورة الذاريات آية 22 ] . 593 - عفيرة العابدة « 1 » روح بن سلمة الورّاق قال لعفيرة العابدة : بلغني أنك لا تنامين بالليل ؛ فبكت ، ثم قالت : ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه ، وكيف ينام أو كيف يقدر على النوم ، من لا ينام عنه حافظاه ليلا ولا نهارا ؟ قال : فأبكتني واللّه ، وقلت في نفسي : أراني في شيء وأراك في شيء . يحيى بن بسطام قال : دخلت مع نفر من أصحابنا على عفيرة ، وكانت قد تعبدت وبكت حتى عميت . فقال بعض أصحابنا لرجل إلى جنبه : ما أشدّ العمى على من كان بصيرا . فسمعت عفيرة فقالت له : يا عبد اللّه عمى القلب ، واللّه ، عن اللّه أشدّ من عمى العين عن الدنيا ، واللّه وددت أنّ اللّه وهب لي كنه محبّته وأنه لم تبق مني جارحة إلا أخذها . عبد الوهاب بن صالح قال : سمعت محمد بن عبيد يقول : دخلنا على امرأة بالبصرة يقال لها عفيرة ، فقيل لها : يا عفيرة ادعي اللّه لنا . فقالت : لو خرس الخاطئون ما تكلّمت عجوزكم ، ولكن المحسن أمر المسئ بالدعاء ، جعل اللّه قراكم من بيتي الجنّة ، وجعل الموت مني ومنكم على بال . مالك بن ضيغم قال : سمعت عفيرة تقول عصيتك بكل جارحة مني على حدتها ، واللّه لئن أعنت لأطيعنّك ما استطعت بكل جارحة عصيتك بها . قال محمد بن الحسين : وحدثني سعيد العمي قال : قلت لعفيرة : أما تسأمين من طول البكاء قال : فبكت ثم قالت : يا بني كيف يسأم ذو داء من شيء يرجو أنّ له فيه من دائه شفاء قال : ثم بكت . فقمت فخرجت وتركتها .
--> ( 1 ) وقيل : غفيرة .